تقارير خاصة

حرب روسيا وأوكرانيا.. الصين في مأزق شديد

الرئيس الصيني والرئيس الروسي

قبل بداية حرب روسيا وأوكرانيا وتحديداً في يوم 4 فبراير الماضي ظهر الرئيس الصيني والرئيس الروسي في صورة إلتقتت لهم في حفل إفتتاح الألعاب الأوليمبية في بكين.

حيث أظهرت الصورة حالة من الود والصداقة الجميلة جدا فيما بينهم، في مشهد كان يوصل رسائل كثيرة وفى وقت حساس جدا،

وفي وقت بدأت فيه كل دول أوروبا تستعد لإحتمالية وقوع حرب عظيمة في أوروبا وسط التوترات التي تتسارع يوم بعد يوم.

و وسط التوترات ومن خلال المشهد تقوم روسيا والصين باتفاقية جديدة عنوانها صداقة بلا حدود.

وهذه كانت اتفاقية من 5000 كلمة عن مواقف كثيرة تجمع الصين وروسيا واستثمارات قادمة ودعم سياسي واقتصادي ما بين الاثنين مع إظهار روح عالية جدا وتفاهم بينهما.

ولكن خلال أيام فقط من الاتفاقية تبدأ الحرب ما بين أوكرانيا وروسيا

وهنا بدأ الكل يعرض هذه الاتفاقية ويقول هذا هو الدليل إن الصين تقف مع روسيا وتدعمها وتعطيها الضوء الأخضر لفعل أي شيء في أوروبا.

لكن هذا الكلام غير صحيح في الكامل و كان من الممكن أن يكون مقنعا لو اقتصر الوضع في أوكرانيا على تهديدات من روسيا ليس أكثر.

لكن وبما أن روسيا دخلت فعلا في حرب مع أوكرانيا، فموقف الصين حاليا أصبح أكثر تعقيدا من أي وقت مضى، والسبب هنا هو الاقتصاد وعلاقات الصين المتشابكة كما نعرف.

إقتصاد الصين في ظل حرب روسيا وأوكرانيا

الصين هي واحدة إن لم تكن أكبر المستفيدين من الوضع بشكله الحالي.

نبدأ مثلا من الصين وروسيا في آخر 15 سنة: الصين عززت شراكتها الاقتصادية مع روسيا ووصلت حجم التجارة ما بينهم 147 مليار دولار 2021 بعد أن كانت سنة 2004 مجرد 11 مليار دولار.

كان ارتفاع كبير جدا وحرص بالغ من جانب الصين على شراكتها مع روسيا, رغم أن الاقتصاد الروسي لا يقارن باقتصادات باقي الدول الكبيرة،

فالاقتصاد الروسي ليس حتى في العشر الأوائل. روسيا تحتل المركز رقم اثني عشر مع ناتج محلي منخفض مقارنة بالصين

فالصين هي ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد أمريكا مع ناتج محلي وصل 15.5 تريليون دولار، فلا يوجد مقارنة ما بين الاثنين

ومع ذلك نجد أن الصين هي التي تحرص على روسيا, ولكن لماذا؟

أقوى دول العالم إقتصاديا

لماذا تحرص الصين على روسيا

الصين هي أكبر مستهلك للطاقة في العالم ولا تمتلك القدر الكافي من الطاقة التي تحتاجها. لذلك تستورد من الخارج مما يجعلها أيضا أكبر مستورد للطاقة في العالم.

بينما روسيا هي ثالث أكبر مصدر للنفط في العالم بعد أمريكا والسعودية. روسيا هي ثاني أكبر مورد للفحم وأكبر منتج للغاز الطبيعي في العالم. أي أن مصادر الطاقة أو أغلب مصادر الطاقة كلها مع روسيا القريبة من الصين. من أين تستورد الصين النفط؟

في الدرجة الأولى تستورد من السعودية ثم روسيا والعراق وعمان وأنغولا والإمارات. وهنا الكارثة الكبيرة جدا.

لأن سبعين في المئة من النفط والغاز المسال المتجه للصين يمر عن طريق البحر وبعده من مضيق ملقا الذي يقع تحت السيطرة الأمريكية.

لو حصل أي تصعيد مستقبلي ما بين أمريكا والصين إن كان بسبب حرب روسيا وأوكرانيا أو سبب آخر ستنتهي 70 في المئة من موارد الطاقة الصينية.

مما يجعل روسيا مهمة جدا حاليا ومستقبلا. مما بدأ يدفع الصين أن تزيد من اعتمادها على روسيا.

لكن في آخر خمس سنوات زاد الاعتماد بشكل كبير ، وخاصة في الطاقة

لأن الطاقة التي تأتي من روسيا تأتي عن طريق خطوط برية مواسير لا تقع تحت السيطرة الأمريكية.

وآخر شكل من أشكال زيادة اعتماد الصين على روسيا كان في دورة الألعاب الأولمبية

التي وقع فيها الرئيس بوتين مع الرئيس الصيني اتفاقية طويلة المدى بقيمة 117 مليار دولار لاستيراد النفط والغاز الروسي.

إذا الصين في مجال الطاقة تحتاج لروسيا أكثر من احتياج روسيا للصين في باقي المجالات التقنية.

أي أن احتياج روسيا للصين ضروري ومهم جدا.

هل هذا يجاوب على اسئلة البعض التي تقول إن الصين وقعت اتفاقيات الطاقة مع روسيا على أن تساعد روسيا في العقوبات التي وقعت عليها من ألمانيا عندما تم إيقاف خط الغاز الجديد نورد ستريم 2 بين روسيا وألمانيا،

والذي رفض التشغيل كعقوبة على روسيا بسبب الحرب في أوكرانيا.

روسيا وأكرانيا الحرب التي أطلق شرارتها خط الغاز

إقرأ أيضا

روسيا وأوكرانيا الحرب التي أطلق شرارتها خط الغاز

هذا الكلام ليس دقيقا لأن الاتفاقية كانت قبل وقوع عقوبات على روسيا وقبل دخول روسيا في حرب مع أوكرانيا. كذلك لا يوجد مقارنة في السرعة ما بين خط نورد ستريم و أي خطوط جديدة.

تداعيات حرب روسيا وأوكرانيا العلاقات التجارية للصين

صحيح أن الاتفاقيات الصينية ستساعد الاقتصاد الروسي. لكن لن تساعده الآن لأنها اتفاقيات بعيدة المدى. وكل مشاكل روسيا الآن تكمن بالعقوبات المفروضة عليها. أي أن الاقتصاد الروسي بحاجة لضخ الأموال بشكل فوري.

لكن موقف الصين صعب خصوصها إذا ما أعلنت دعمها الصريح لروسيا مما يشجع خصوم الصين على التقرب من بعضهم أكثر و يدفع دول أوروبا نحو أمريكا.

كما أن الصين لا تريد خلافات جديدة مع الهند. و لو دعمت الصين روسيا بشكل أكبر سينقسم العالم إلى فريقين وقوة الفريق ستكون في الاقتصاد.

و ستجد الصين نفسها في فريق واحد مع روسيا وسيكون معسكرهم مجموعة من الدول الضعيفة اقتصاديا و غير قادر على المواجهة مع مرور الوقت دون أن ننسى وضع التجارة الصينية حاليا مع أمريكا نفسها.

صادرات الصين لأمريكا وصلت ل390 مليار دولار وتستورد من أمريكا ب110 مليار دولار أي أن الميزان التجاري في صالح الصين وهذا أصلا كان سبب الحرب التجارية ما بين الاثنين عندما أراد ترامب أن يقلل الفجوة.

فالصين لديها العديد من الصادرات لأمريكا ولا تريد أن تخسر التكنولوجيا الأمريكية المتقدمة.

أما عن التجارة مع الاتحاد الأوروبي فالصين تصدر لأوروبا ب427 مليار دولار وتستورد منهم ب220 مليار دولار يعني أيضا أن الميزان التجاري في صالح الصين.

فلو أظهرت الصين دعما أكبر لروسيا ستكون مغامرة بعلاقتها مع أمريكا وعلاقاتها التجارية والاقتصادية مع الإتحاد الأوروبي بالإضافة لعلاقتها مع أوكرانيا في ظل الحرب مع روسيا.

أوكرانيا التي تعتبر واحدة من أفقر دول أوروبا، لها علاقات قوية مع الصين. أوكرانيا تعتبر حجر أساس مهم جدا في مشروع الحزام و الطريق الصيني أكبر مشاريع الصين في القرن الحالي.

و هذا كان واضحا من تصريحات وزارة الخارجية الصينية في بداية الأزمة

أوكرانيا كانت تقول إن الصين قلقة بشأن تطور الأوضاع في أوكرانيا. الصين تدعو الجميع إلى ضبط النفس. كما قال وزير الخارجية بنفسه أن كل دولة يجب احترامها وحمايتها. هذا في الوقت الذي كانت روسيا تهدد فيه أوكرانيا.

على الجانب الآخر، روسيا اعترفت بالمناطق الانفصالية في أوكرانيا. الصين لم يدينوا قرار روسيا بالاعتراف ولا حتى إرسال قوات روسية إلى أوكرانيا.

حتى بعد بدء الهجوم الروسي، رفضت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية وصف العملية التي قامت بها روسيا باسم الغزو حيث رفضت الصين إعطاء أي رد واضح.

الكاسب الصينية من حرب روسيا وأوكرانيا

ومن الواضح أن الصين ستراقب ما يحدث من بعيد. لكن وقوف الصين على مسافة محسوبة بدقة من كل عنصر من عناصر الأزمة هو الأفضل لها.

كما أنه يعود بمكاسب على الصين. فلو تطورت حرب روسيا وأوكرانيا لأي سبب من الأسباب ودخلت أوروبا في الحرب

ستكون أمريكا مجبرة على الدخول أيضا، وهذا يعني تحول اهتمام أمريكا عسكريا من منطقة المحيطين الهادئ والهندي نحو أوروبا.

أي أن الصين ستكون هي القوة الكبيرة والوحيدة في المنطقة. وهذا في صالح الصين لاهدافها المستقبلية في ضم جزيرة تايوان.

أما على المستوى الاقتصادي. فكلما ساءت علاقة روسيا مع أوروبا كلما زاد اعتماد روسيا على الصين. كما أن الصين ستأخذ بعدها النفط والطاقة من روسيا بأسعار أفضل من الباقين.

فالصين ستكون ضمن حلف قوي عسكريا يوازي التحالف الأمني الجديد الذي حصل مؤخرا ما بين أمريكا وبريطانيا واستراليا لمواجهة الصين في المستقبل.

الصين ستحظى بدعم حليف قوي عسكريا لها عندما تقرر استعادة جزيرة تايوان. في الوقت نفسه سيتوقف بيع الأسلحة لدول معادية للصين مثل الهند وفيتنام جيران الصين. هذا كان ملخص للمكاسب الصينية من الحرب الحاصلة بين روسيا وأوكرانيا.

Ahmad Houjayrie

متخصص في البرمجة، أخصائي تحسين محركات البحث و مطور ووردبريس في موقع نقاش الأسواق (Markets Debate)

قد يهمك أيضا

0 0 votes
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى